بدون امهات تدربن على التعقيم والتطهير ، واطّلعن على الاطعمة المغذية ، وألفن علل الطفولة وثبتن على مداراة الكهولة ؟ وكيف نتصور مدارس لا تقيم وزناً للشروط الصحية في ابنيتها ومناهجها ـ فلا تهتم بالرياضة الجسدية ، ولا تشرف على عادات طلابهــا وضبط علاتهم في مهدها ؟ او مدينة انيقة او ريفاً جميلًا لا تسهر على سلامته الصحية هيئـة منظمة واعية ؟
فان كانت الحاجة للمعرفة العامة عن التمريض « والاسعاف الاولي » من مستلزمات ربة البيت ، والمعلمة ، ومضيفة الطائرة ، والعاملة الاجتماعية ، والقائدة الكشفية ... فالى اي مدى اذا تبلغ الحاجة الى الخبيرة الاخصائية ، تجاري الطبيب مقدرة ، وتتولى تنفيذ اشاراته في دراية وتبصر ؟! وبعد هل يصح ان يكون في المستشفيات ممرضات غيــر قانونيات يتسلمن زمام ارواح المرضى في حالة غياب الطبيب ؟!
نقول انها الفاقـــة .. ونكتفي . ولكن هل ثمة في مجتمعنا ، وما يطويه من صور وآراء وافكار ، مــا يشوق
الناشئات ويحبب اليهن اتخاذ التمريض مهنة شريفة حرة ؟ وتتحرك الحوريات البيض في كراسيهن ، ويعبق من جديد فوح الصابون الطيب والسبيرتو المطهر ، ويأتيننا بالحقيقة الناصعة من اوربا واميركا ويخبرننا عما لمسنه وشاهدنه هناك .
فالمجتمع الغربي يتطلع الى هذه المهنة من اعلى درجات التقدير باعتبار انها خدمة وطنية رفيعة . ويعمل على الحث عليها بشتى اساليب الدعاية الاسمية والفعلية . فلا عجب اذ تقرأ لافتة في القطار مثلًا تخول للممرضة السفر باجور نصف تذكرة الركاب الاخر ؛ او اعلانا في نادٍ يرحب بها بترخيص مخفض ملموس ! وابعد من ذلك فلقد نظمن هذه المهنة لنفسها ، بمعونة وارشاد حكومتها ، « نقابة » تسهر على جهازها في جسم الامة اجمالًا ؛ تدافع عن حقوقها وتفرض قوانينها على المستشفيات قاطبة : ان من جهة الاجور او من جهـــة ساعات العمل ؛ تتيح لها بذلك وقتاً كافياً للاستجمام القوى وترويح النفس .
ولا يغربن عن بالنا بان الممرضة توفق بين حالتين اجتماعيتين متباينتين . فهي من اقسمت يمين المعونة لكل محتاج في كل وقت . وهي ايضاً المخلوق الطبيعي والانسانة الكاملة التي من حقها الالتفات لذاتها ككل امرأة سواها . فهي ليست راهبـة ولا متنسكة ، ولا جندية ولا مرافقة لمجازر البشرية خلو من أي عاطفة شخصية .
فاذا سمعت يوماً عزف « السكسوفون » من بعيد ووقع اقدام الراقصين على انغامه؛ تذكر بانه يمكن ان تكون بين هذه الاقدام قدما « ملاك من ملائكة الرحمة » تطآن الارض ، كما اعتادتا ، بدون ضجة ولا صوت ...


