كان عقرب الساعة يشير الى تمام العاشرة صباحاً حين ولجت الباب الرئيسي لدار الجانحات تلك الدار التي تقع على رابية مشرفة وفي حي هادىء من احياء بيروت .
لقد راعني الهدوء والنظام يشملان هذه المؤسسة الحديثة التي تضم اربعين فتاة من بيئات وجنسيات مختلفة ، وكن لا يزلن منهمكات في اداء واجباتهن المنزلية بعضهن يساعد الطاهية والبعض الاخر يقوم بغسل الاواني واخرى تقوم بكي الثياب . رأيت فتيات صغيرات ما بين التاسعة والثانية عشرة ومنهن من تعدين الثلاثين ! فادهشني هذا الفارق الكبير بالسن .
اتصلت بمديرة المؤسسة الآنسة ملك خرسا التي اخبرتني والسرور باد على محياها بانها تجد لذة لا تعادلها لذة لقيامها بالرعاية والعناية لفتيات ارادت لهن الاقدار ان يسرن في طريق عوجاء
اطلعت على السجلات فاكبرت هذا الاهتمام الفائق فلكل فتاة اضبارة خاصة يكتب عليها اسمها ونوع جريمتها وتاريخ دخولها وعنوانها ونتيجة فحصها الطبي والسبب الرئيسي لجنوحها
ثم قصتها بالتفصيل ونتيجة المراقبة من حيث تطورها .. وقد سرني انهن خطون خطوات سريعة نحو التقدم والاعتصام بالفضيلة ، فقد اهتمت الرئيسة بان تعد الفتاة اعداداً كاملاً لتجابه الحياة وبيدها سلاح يقيها شر الفاقة والعوز ويؤهلها للعيش بكرامة ، فاهتمت بتعليمهن التدبير المنزلي والاشغال اليدوية وتوجيههن التوجيه الخلقي الحميد . اما الصغيرات فعلاوة على ذلك يتلقين القراءة والكتابة . وتسلم هذه المؤسسة فتياتها عن طريق دائرة الشرطة وتتلقى المعونة من وزارة الشؤون الاجتماعية ، وتبقى الفتاة في المأوى حتى انتهاء مدة حكمها .
ولكن هل يحق لنا ان نشاهد غرف النوم والمطبخ وغرفة الطعام وقاعة الاشغال وتتغنى بالنظافة والترتيب دون ان نرى ونحادث كل فتاة على حدة ونعرف سبب جنوحها ؟!
لفتت نظري طفلة حلوة النظرات ناعمة القسمات لا تتجاوز السابعة فاقتربت منها وسألتها عن السبب الذي حدا بها الى الوصول الى هذه الحالة . فقالت : توفيت والدتي وانا في عامي الثاني فتزوج والدي من امرأة قاسية القلب كانت تسومني انواع العذاب وتمنع عني الطعام فابيت على الطوى لا تشفع بي دموعي الغزيرة ولا توسلاتي للحصول على اللقمة ولا انسى يوم سرقت رغيفاً كيف نزلت علي السياط بشدة حتى ادمت جسمي لكوني سددت رمقي بقطعة من الخبز ليس لي الحق بتناولها ! فهربت من الظلم وانضممت الى صفوف المتسولين .


