
ثم انتقلت الى فتاة مقعدة مع انها في ربيعها السابع عشر تقدمت منها فتطلعت اليّ بعينها الجميلتين اللتين تنطقان بالألم المكبوت وكأنها تتوسل ان لا اسألها شيئاً فهي لا تريد ان يردد لسانها الام قلبها وفهمت منها بعد جهد انها حادت عن الطريق المستقيم وفرطت في اعز ما تملكه فتاة ما دعاها للهروب الى بلدتها خوفاً من عقاب ذويها ومن العار الذي لحقها وصارت تنام في حرج بيروت ايام البرد القارص فاصيبت بالروماتيزم الذي اقعدها عن الحركة .
دعوني الان ارى هذه الامرأة التي جاوزت الثلاثين ويبدو عليها الشرود الدائم ، انها تنتمي الى عائلة محترمة وقد تثقفت ثقافة عالية فهي تتقن الانكليزية والافرنسية اذ انها خريجة جامعة . كانت شعلة من الذكاء ظفرت بجوائز السبق اثناء دراستها ما دعا شباب الجامعة للتسابق على مصادقتها فاختارت من بينهم شاباً يليق بها وتبادلا الحب والاخلاص وتعاهدا على الزواج حين اتمام دراستها وعينا موعداً لعقد خطبتها وهيأت نفسها للقاء الحبيب الغائب زوج المستقبل ، وعاد اخيراً ولكن بعد ان كان قد اتم خطبته من فتاة تفوقها جمالاً ! وترك ماري من ورائه تعبث ذاهلة بحطام اخلاصها المبعثرة ، تخطو في يأس واستسلام الى منطقة الظلمات حيث المقضي عليهن بالعار . ونفض اهلها ايديهم منها وفرغت الدنيا من امرها . لقد اصاب المسكينة شبه جنون على اثر تلك الصدمة ، لقد عصف بقلبها الحب فاعماها واصاب سهام الجنون عقلها فارداها !
واما سعاد فقد تفتحت عيناها للحياة
فرت نفسها مقصوصة الجناح بدون الأم ، لم تجد من يرعاها ويهتم بامرها فقد كان والدها سكيراً مقامراً لا يعود الى بيته الا عند انتصاف الليل تاركا ابنته التي لم تتجاوز العاشرة تدور في الازقة ما جعلها تقع فريسة ذئب آدمي ، ووضعت طفلاً لم تستطع القيام بواجباته فمات بعد ايام ، ولكن سعاد اعتادت على التجول في الازقة ما دعا رجال البوليس الى القبض عليها بتهمة التشرد .
وخطوت نحو فتاة في الرابعة عشرة فعلمت انها سارقة ماهرة لها عدة سوابق والسبب هو عدم حصولها على ما ترغب فهي فتاة تحب المآكل الشهية والالبسة الجميلة وقد فقدت والديها وعاشت برعاية اخويها اللذين لم يكن همها سوى العناية بنفسها فحتى الطعام كانا يضنان به عليها فبدأت بالسطو على مطبخ الجيران ثم على البيوت الاخرى فتسرق ما يقع عليه نظرها وتطورت في المهنة واكتفت بسرقة النقود وبما خف وزنه وغلا ثمنه ، مسكينة انها مريضة بسداء الكذب والسرقة .
وراعني منظر فتاة جريئة ممتلئة الجسم لم تؤثر فيها عثرات الدهر ولم تصب نفسها الضاحكة للحياة ماتت والدتها وهي في المهد وتزوج ابوها فتحملت من الاهوال والمقاسي ما يعجز عن تحمله اشد الناس يأساً وصبراً ! وكان الوالد اقسى من امرأته فلم يكن يسمع لما تبوح به مما تلاقيه من عذاب مريب بل يزيد في تعنيفها . وهكذا كبرت الصغيرة المظلومة وصارت تتمرد على حياة التعذيب واخذ هذا التمرد اقسى صورة فهان عليها فراق ابيها بعد ان لمست

زوال الرحمة من قلبه ، ويتلقفها الشارع وتنضم الى صفوف المتشردين وقطاع الطرق وبنات الليل !! وهي في سنها الخامسة عشرة .
واما زهرة فهي تنتمي الى عائلة فقيرة مات والداها فامتهنت التسول . عجبت كيف ترضى بهذه المهنة وهي قوية البنية ولكنها على حد قولها لم تجد عملاً . فقد قالت لي بنبرة قوية : ماذا تريدين من ينتابه اليأس القاتل وليس امامه والحالة هذه الا ان يعمل ويعمل اي عمل وبأي ثمن للتغلب على صراخ البطن وقسوة الجوع فهو والحالة هذه اما ان يقبل عملاً تافهاً لم يعد نفسه له فيصير شخصاً تافهاً من مئات الآلاف ، فيسرق ويحتال او يستحل كل الموبقات غير مكترث بما يسمى الكرامة والعفة والنزاهة فهذه اشياء عنده تتضائل بجوار حياته المهددة فتعساً لنا !
وهكذا اكتفيت بهذه المشاهدات بانتهاء حديث زهرة الفيلسوفة !