للبيئة المنزلية اعظم الاثر في تكوين شخصية الطفل. وبما انه في مستهل حياته سهل التأثر، قابل للتشكيل، اكثر من اي طور آخر يليه، فهو يتأثر بكل ما يحيط به من اشياء او اشخاص او كل ما يقع عليه بصره من مناظر او ما يسمع من الفاظ او ما يثار فيه من انفعالات. وقد يخيل الى الاباء ان ما يحدث له من حوادث او ما يحيط به من ظروف هي في الظاهر تافهة، لا قيمة لها، قد لا تؤثر في نفسية الصغير، ولكن تكرارها يوماً بعد يوم يجعل لها اكبر الاثر في تكوين خلقه.
والطفل كالمرآة، يعكس كل حركة يراها، ويردد كل كلمة يسمعها ممن يعيش بينهم. وتعتبر الام المسؤولة الاولى عن كل اعوجاج يبدو في اخلاق الطفل اذ ان في مقدورها ان تبعده عن المؤثرات التي تفسد خلقه وتعوده على الخصال الحميدة. واليك يا سيدتي، بعض الامثلة عن الاخطاء الشائعة في تربية الطفل:
قد يزعجك ان تسمعي طفلك يتفوه بكلمات خارجة عن نطاق الادب والتربية الصحيحة فتندهشين لهذا الامر بل تقفين
مصعوقة حيرى ازاء هذا السلوك الشائن، ولكن مهلاً، الامر ابسط مما تخيلت، فلو استمعت الى حديث الخدم والمربيات الذين تتركين لهم امر طفلك لاهتديت بذلك الى مصدر تلك العبارات، وليس الذنب ذنب الصغير في ترديد عبارات غير لائقة، بل ان المسؤولية تقع على عاتق مربيه، لانه كالببغاء يردد ما يسمع دون ان يفقه لذلك معنى.
وربما يسؤك ايضاً ان يتكلم الصغير مع الكبار دون احترام وتأدب جاهلاً ان يقول «شكراً» او «من فضلك» وكيف تتوخين كل هذا وانت لا تخاطبينه بلهجة مماثلة. فاذا اردت، سيدتي، ان تغرسي فيه روح التهذيب المثالي ليشب لبقاً، مؤدباً، مراعياً شعور الغير فليكن ذلك منذ السنوات الاولى. وكما تريدين ان يعامل الكبار عامليه انت بدورك
بالطريقة نفسها. وسرعان ما تندهشين للنتائج الباهرة لان الطفل سريع المحاكاة، محب للتقليد.
ألم تجلسي يوماً الى المائدة وطفلك بجانبك، فأشرت الى الخادم، على مرأى من الصغير، ان هذا اللون من الطعام لا يروق لك، نظراً لعدم اجادة طهيه مثلاً؟ فلا يلبث في اليوم التالي ان يحذو طفلك حذوك اذ تجدينه يرفض نوعاً من الطعام حباً للتقليد والتشبه بك، فتحاولين اقناعه واذا اصر ثارت ثائرتك وأنّبتيه. ولكن ألم يكن الاجدر بك ان لا تقومي بملاحظتك هذه امامه. فلو
فعلت لتفاديت المشكلة ولربما اقدم الصغير على التهام الطعام كعادته برغبة وشهية.
هل ترسلين طفلك الى الفراش، وتأمرين الخادم، على مسمع من الصغير، الا تتركه وحده في الظلام؟ فاذا حدث ذلك فسوف يعتقد الطفل ان الظلام شيء رهيب مخيف. وهكذا يشب الطفل ويترعرع خائفاً جباناً رعديداً، ومما يزيد في تأثره ما قد يسمعه من الخدم من الاقاصيص الكاذبة والخزعبلات الخاصة بالعفاريت والجن مثلاً. فمن الافضل، تلافياً لهذه النتائج، ان نعوّد
الطفل على النوم وحده، على ضوء خافت هادي، اذا كان يخشى الظلمة وعندها تتلاشى مخاوفه وتبدد اوهامه وتصبح عادة النوم عنده، منفرداً، امراً طبيعياً، لا يثير القلق ولا يجلب لك المتاعب.
تقدم الام لطفلها دواءً مقوياً وقد يكون لذيذ الطعم، حلو المذاق، ولكن الصغير قد يرفضه بحجة انه لا يستمرىء الدواء ولا يرغب مطلقاً في تناوله. فتضغط عليه الام تارة بالحسنى وتارة بالشدة فيشتد عناده ويصر على الرفض. ولو اظهرت الام عدم الاهتمام بعناده، وتركته برهة ثم جاءته في لحظة مناسبة وشرحت له فوائد ذلك الدواء واثره الفعال في نموه ونشاطه فضلاً عن كونه لذيذ الطعم، داعمة قولها هذا

أخطاء شائعة في تربية الطفل
٣٢
