انها من اعظم طيار في الكون .. وكنت قد اطلعت والدتي على علاقتي بوين خلال رسائلي .. وحالما تلاشت روح المزاح قالت : هل انت على استعداد لمواجهة الصدمات التي يلاقيها الطيارون ؟ .. وهل فكرت بانك قد تصبحين ارملة ثاني اسبوع زفافك ؟ .. هل فكرت بالحياة غير المستقرة التي ستقضينها الى جانبه دون استقرار ؟ .. هذا عدا الراتب الضئيل والليالي التي ستصرفينها على احرّ من الجمر ، ترقبين عودة الزوج الطيار ؟
لكني اصغيت الى كل ذلك باذن عاشقة لا تميز بين الحق والباطل وبين الخطأ والصواب ... وحين اطلّ سبنسر كما وعد ، كان اكبر برهان على مدى تعلقي به .. فقد رضيت امي عنه ، ومنحنا العم « سول » بركاته ..
زرت في شهر آب من ذلك الفصل أسرة وين في شيكاغو .. وكانوا معي على غاية اللطف ؛ واكتشفت انه كبير اربعة اخوة واختين .. وقد وقفت امه باديء الامر ، موقف والدتي من زواجنا غير انها لم تلبث ان وافقت ، متمنية لنا السعادة والهناء .
بعد قليل توالت المصائب على اسرة وين ، فقتل اثنان من اخوته ، وانتحرت اخته ، وماتت والدته بحادث اصطدام .. ثم مرّ وين نفسه بسلسلة من المآسي في حياته الخاصة ؛ اذ تزوج اربع مرّات وتوفي عام ١٩٥٠ عن واحد وستين عاماً .
اعلنت الخطبة الرسمية في ايلول عام ١٩١٦ ، وفي ٨ تشرين اول تمّ زواجنا وسط هالة من الزنابق البيضاء ، وفي دائرة من رجال الطيران الاميركي ...
وكان ثوب الزفاف الذي اعددته من المخمل الابيض المطرّز بالـلآلىء فوق تنورة من « الدانتيل » الابيض ايضاً ؛ وكنت احمل في يدي ضمة من الزنابق البيضاء وقد زين رأسي اكليل من زهر البرتقال ... وحصل وين على اجازة اسبوعين لقضاء شهر العسل ؛ قسمناها بين « وست فيرجينيا » ونيويورك ...
كنت قد دخلت مع وين الى غرفتنا في الفندق ، حين سمعت صوته يرتفع بالشتم وهو ينظر الى اعلان تحت زجاج الطاولة .. ولما اقتربت اكثر تبينت انه يشير الى جفاف وست فيرجينيا .. لا خمر فيها ولا مسكرات والتفت الي قائلاً : هذا استقبال لك انت ، اما انا فلا يمكنني ان ابقى هنا .. ومع انه كان يمازحني ، فقد ازاحت كلماته ستاراً عن شيء بقي محجوباً عني حتى الساعة .. ثم سار الى حقيبة ثيابه ، واخرج زجاجة « جين » وهو يتمتم : تكفيني حتى اصل الى المحطة التالية ..
كانت هذه مفاجأة لفتاة نشأت مثلي في بيت لا يرضى عن الشرب ، ولم اذق حتى ذلك الوقت سوى جرعة شمبانيا ، اعتادت الأسرة ان تقدمها في عيد الميلاد .. وهكذا ، وفي شهر العسل ، اكتشفت ان زجاجة الخمر ، قلما تفارق زوجي ..
عدنا لنقيم في احد المساكن المعدة لرجال الطيران ، وكانت شرفة المنزل تطل على خليج بديع ؛ وايامي تمرّ ضمن « روتين » قلما يتبدل .. ولم يتسع افقنا اكثر من محطة « بنساكولا » .. وفي وسط هذه الدائرة خلقت مع نساء الجوار ، مجتمعاً قائماً بذاته ... قوامه
الحفلات ، والولائم التي يحضرها الطيارون ونساؤهم ؛ وأحياناً كنا نخرج اسراباً الى المدينة لنحضر حفلة رقص او نشاهـد السينما .. ولكن اللحظات التي ما تزال تعيش في ذهني وتعذبني هي تلك الساعات التي كنا نقضيها في انتظار نتيجة اصطدام مريع ، لنعرف زوج اي منا كان الضحية في هذه المرّة ..
ووصل دور « وين » وكاد يفقد حياته لولا زورق النجدة الذي خلصه من اشداق اللجة ... في الأيام التالية كنت لا اقوى على النظر او التفكير بالطائرة .. وكانت اعمال وين تزداد يوماً بعد يوم ؛ ففي ٦ نيسان عام ١٩١٦ دخلت الولايات المتحدة الحرب ، وفي الوقت نفسه رقّي وين ، ثم استلم امراً بالانتقال الى « بوسطن » لينظم فريق طيران فيها ؛ كانت تلك وظيفة محترمة ، وارتقاؤه يشير الى مدى تقدير مؤهلاته وكفاءاته ؛ لكن الخبر لم يرق له .. كان يطمح الى خوض المعارك في اوروبا ، وهكذا بات ينتظر الانصراف من المهمة الجديدة ، بفارغ الصبر .. كان عمله يبدأ من السادسة صباحاً حتى الثامنة او التاسعة مساء ، وحين يعود يتناول العشاء وينام .. ويمكنني ان اجزم بان هذه اسعد فترات زواجنا . لا سيما وقد توقف عن تعاطي المسكرات !
كان سهلاً عليّ ان ارضى بهـذا الروتين لو تمكنت من اقناع نفسي بان هناك تفاهماً متبادلاً بيننا .. ولم اكن بحاجة لمن يعلمني بان زواجنا مهدد بخطر عظيم .
( البقية على الصفحة ٥١ )
