الى الـ ٣٢ جرساً ، تقرع بانتظام « لحناً » معيناً لموزار ! وفهمت بعدئذ ان هذه العملية تتكرر ثلاث مرات في اليوم : في الثامنة والحادية عشرة صباحاً والسادسة مساء ــ الى هذا الحد واكثر بلغ تقديرهم وتكريمهم لهذا الموسيقار الفذ الذي انبتته ارضهم .
مشاهدات وانطباعات : ادهشتني المناظر الطبيعية الخلابة في موطن موزار ففي سالزبورغ اربع بحيرات تحيط بها الجبال العالية الخضراء ، حتى لتمسي المياه ، من انعكاس الغابات الكثيفة ، ايضاً خضراء لا زرقاء !
واعجبني الى آخر حد ، النظافة التامة في كل مكان ، ولطف الاهالي وفائق تهذيبهم ، ولكن لم تخف علي ، في سيمائهم مظاهر الضغط والالم المكبوت الذي سببته لهم الحروب الاخيرة ...
مررنا بكثير من النسوة يشتغلن في حراثة الارض ــ اعمال الرجال عندنا ــ وبدت على وجوههم علائم التعب ... فقلت في نفسي لا بد ان الرجال
مأخوذون في اشغال ابعد اهمية ...
مسكين جبران ! لم اشأ حيال عظمة ما شاهدت من تذكر جبران « عظيمنا » نحن ، والبون الشاسع بين اهالي سالزبورغ واهالي بشري من حيث تقديرهم لنوابغهم ... وانعصر قلبي غيرة اذ قارنت بين الوضعين في الوقت الحاضر ... خصوصاً بعد ان استعدت الى الذهن حالة متحف جبران في بشري اليوم ، واهم من هذا « الوعي » الذي يحسه ويعمل بموجبه
مواطنو موزار ، والذي « لا وجود له » في مسقط رأس جبران ، ولا سيما بين « لجنة تخليد ذكراه » والتي تسعى لكل غاية الا هذه الغاية بالذات ...
مسكين جبران ! لماذا لا يكون له مواطنون مخلصون يضعون ايديهم على المورد الفخم الذي يدفق على بشري كل عام من مبيع كتبه ، ويوجهونه لتخليد ذكره عن حق ، وينفقونه في السبيل الذي يجب ان ينفق من اجله ليعيّشوا هذا الفنان والشاعر اللبناني الكبير ويضعوه في المقام الرفيع الذي يجب ان يوضع فيه ؟ .
واذا كانت لجنة جبران ومن ورائها اهالي بشري من الغباوة الفنية التي نعرف فلماذا لا تسارع مفوضية السياحة والاصطياف مثلاً ، الى انقاذ الموقف ؟ !
هذا ما راود ذهني في عودتي من سالزبورغ واحببت ان اهمسه بدوري للقراء ــ لعلّني اجد بينهم من يدفعه الحماس للعمل الايجابي المخلص ...