تعرفه يا قارئي ان كنت من سكان رأس بيروت . تعرفه من لفتتك الاولى الى رسمه . اجل ! انه الموسيقي الضرير ، عازف الكمان الذي التقيته وتلتقيه عشرات المرات في حنايا الشوارع متربعاً على الارض مسنداً ظهره الى الحائط ، يعزف ويغني من اعماق قلبه ، فتود ان كنت مثلي كثير المشاغل ، لو اتسع وقتك فوقفت بمحاذاته مصغياً متأملاً ...
وانها المرة الاولى تشعر وانت تضع في علبته الصغيرة المكشوفة ، ان بائع اللحن هذا اكرم منك ، وان عطاءه اسخى من عطائك . وقد يخزك ضميرك لانك ضننت عليه بالخمسة فرنكات ... فهو حتماً ... يختلف عن جميع من التقيتهم وتلتقيهم من مهرة المستجدين ... هذا يعرض بضاعته بقناعة ودعة دون ان يمد لك كفاً ذليلة ... وفي مكنتك ان تستمع الى عزفه وغنائه ساعة كاملة وتقضي في سبيلك دون ان تنقده ثمة قرشاً ولا تخشى من سلاطة لسانه او ملاحقة نظراته الوقحة .. واولاء يعتصرون القرش منك عنوة ولا يوحون اليك الا بتمثيل ادوار كاذبة لاستثارة شفقتك ...
مرّت سنون وانا امرّ مسرعة فالتقيه حيناً وتراودني نفسي للوقوف دقائق وسؤاله عن قصته . لا بد ان لهذا الرجل قصة فريدة تستحق التسجيل ... حتى كان الامس ، حين وقف شعبان محمد ابراهيم بين يدي يجيب على اسئلتي بالعربية حيناً وبالانكليزية حيناً آخر ... صدق ظني ... هذا الموسيقي الضرير ليس ربيب شارع كما يتوهم الناس ، وانما دخل مدارس وعاشر اقواماً بلغوا من الثقافة شأواً ...
من مواليد اللاذقية .. ابوه تاجر . اولع بالموسيقى وهو بعد طفل وتمكن من العزف الجيد على الكمان ولما يتجاوز الثانية عشرة . وفي المدرسة تعلم الانكليزية ودفعه هوس الشباب للتطوع - يافعاً - مع زمرة من رفاقه في الجيش البريطاني وفي الجيش توصل الى رتبة ضابط وقضى

في الخدمة سبع سنين . وفي سنة ١٩٤٢ اصيب بحادث اصطدام سيارة وانفجرت البطارية في وجهه وتركت مكان عينيه محجرين فارغين ...
كان لشعبان يومذاك واحدة وعشرون سنة من العمر فخرج الشاب الضرير من الجيش ... الى الشارع ... ويؤكد بانه لم يتقاض اي تعويض على خدماته ... وعلى ما حل به .
هنا استجمع ما تبقى لديه من معنويات وعاد الى مواهبه الموسيقية يجلو ما صدأ منها ويدوزن اوتارها ... وعرض خدماته على الاذاعات العربية ، فعمل فترة قصيرة في محطة الشرق الادنى بحيفا ولعل حالته لم تساعد على انسجامه مع الفرقة ... ومرة ثانية خرج الى الشارع ... لا عون له الا الله ! وعوّد نفسه - مضطراً - التربع على الرصيف - يبيع الحانه اختيارياً - لقادري الحانه . دون ان يفتح فمه في استعطاف او تذلل ...
انه يجيد عزف جميع المقطوعات والاغاني ... قديمها وحديثها . ما اسرع ما يتعلم كلمات الاغنية الجديدة ، وما اسلم ما ينقلها الى اذنك ، فلا يمزقها .. او يخدشها ثمة نشاز في النغم ...
رغم الظلام الذي يعيش شعبان في غمره ليل نهار ، فهو غالباً باش يوحي بان قلبه مطمئن سعيد ... ولعل السر في ذلك انه عثر على « بنت حلال » رضيت

