نعجب كم تطورت الموسيقى عند الامم وكم ازدهرت ! سأحدث ههنا عن ثلاث من الامم القديمة التي استخدمت الموسيقى في عبادتها وادبها ولهوها :
مصر القديمة ، العظيمة باهرامها وابي هولها وبتاريخ رجالاتها ، عبّدت قبل الوف السنين اوزيريس ، إله النور والصحة والزرع ، وازيس إلهة الفنون . عبّد المصريون آلهتهم على ايقاع الانغام وقرع الطبول وضرب الصنوج ، سبحوا لها بموسيقى تعبدية بينما رائحة الطيب والبخور المحترق تملأ اجواء المعبد فتزيد المتعبد خشوعاً ورهبة . لقد الفت الموسيقى جزءاً غير قليل من حياة المصري القديم اذ استخدمها في الاحتفالات الرسمية والمهرجانات الشعبية والسهرات العائلية والافراح وفي الاستعراضات العسكرية .
ومع ان الدور الذي لعبته الموسيقى في حياة المصري هام جداً ، إلا ان القليلين منهم اقبلوا على تعلمها ، لذا كان نطاق تقدمها محصوراً محدوداً . كانت ممارسة الموسيقى وراثية كباقي المهن ، فابن الموسيقي موسيقي ، وابن المغني مغن حتى ولو كان صوته اجش لا يصلح للمناداة في السوق العامة . انحصر الغناء بين جماعة الكهان لحاجتهم الدائمة اليه في العبادة ؛ اما العزف على الآلات المختلفة فقد ترك للفقراء او العبيد .
في المعابد كان لا بد من استعمال فرق موسيقية للعزف او الغناء تتناسب في حجمها
وضخامة المعابد ، ولا نبالغ اذا قلنا ان الفرقة الواحدة كانت تزيد على الستمئة بين عازف ومغن ، بينما نفتخر اليوم باور كسترا يبلغ عدد افرادها المئة ! . وما يروى عن احد حكام مصر انه اقام احتفالاً غنت فيه جوقة بلغ عدد افرادها الألف بمصاحبة ثلاثمئة عازف !
اما الرقص فكان يقام في المعابد والمحافل الخاصة ولكن اكثر ما استخدم في العبادة . وقد كان الرجال يؤدون الادوار التي تتطلب جهداً وعنفاً والنساء يؤدين الادوار الخفيفة والتي تتطلب نعومة وغنجاً ودلالاً .
اما موسيقى اليهود القدماء فلم تتعد ما اخذوه عن المصريين عند خروجهم من ارض مصر الى ارض الميعاد . وجل ما نعرفه عن موسيقاهم هو ما جاء عنها في « العهد القديم » . فقد كانوا يرتلون « المزامير » على انغام الزباب والقيثارة التي وصفها داود ، امام المغنين كما تصفه التوراة ، لهذا الغرض . وقد جاء في آخر مزمور على لسانه : « سبحوه ( الرب ) بصوت الصور ، سبحوه برباب وعود ، سبحوه بدف ورقص ، سبحوه باوتار ومزمار » . اما فيما عدا هذا فنكاد لا نعرف شيئاً .
الموسيقى عند اليونان - وصلنا الشيء الكثير عن عظمة اليونان الفكرية والعلمية ولم يصلنا إلا النزر اليسير عن موسيقاهم . وقد جاء هذا القليل ما لدينا مفرقاً في شتى مناحي تراثهم العلمي والفكري ، ومن بعض المقطوعات الموسيقية النادرة . ومن المعلوم ان ما وصلت اليه الموسيقى عند اليونان من رقي وتقدم لا يضاهي الدرجة التي وصلت اليه الفنون الاخرى إن كان في فن الرسم والنحت والبناء او في الفنون الادبية الاخرى .

