لكن يجب ان نذكر قبل ان نذهب ابعد من هذا ان الموسيقى شغلت مكاناً هاماً لدى قدماء اليونان فادخلوها في التمثيل والرقص وانشاد الاشعار ، وان كلمة موسيقى إنما استعملت اول ما استعملت عند اليونان ، لا للدلالة على مختلف اشكالها الحاضرة فحسب مثل الغناء والرقص ، بل لتشمل جميع الفنون والعلوم مثل الرياضيات وغيرها ؛ وفي نظر الاغريق ، قدماء اليونان ، ان الانسجام والجمال في الكون انما هو نتيجة للموسيقى في معناها الواسع .
اهتم الاغريق اهتماماً بالغاً بتأثير الموسيقى على الاخلاق ، فمن الموسيقى - في رأيهم -

ما يثير المشاعر ، ومنها ما يشد العزائم ويقويها ، ومنها ما يسبب الميوعة في الرجل . ولهذا السبب لم يسمح حكام مدينة « سبارتا » ، المدينة ذات « النظام الحديدي » ، ومنافسة أثينا في الزعامة ، لم يسمحوا لشبابهم ان يستمعوا الا للموسيقى العسكرية التقليدية التي تبث القوة والشجاعة في نفوس الرجال وتجعلهم اشداء للزود عن حياض الوطن .
لعبت الاساطير في حياة الاغريقي دوراً هاماً وبالاخص فيما يتعلق منها بالآلهة اذ كانت بمثابة قصص التوراة عند المسيحيين وقد اخبرت بعض الاساطير شيئاً عن الموسيقى ونشأة بعض آلاتها . منها ما يحكى عن الاله « پان » ، إله الغابات والحقول وقطعان الغنم والمراعي ، يحكى عنه انه اخترع « شبابة » الراعي ولاختراعه هذا قصة طريفة : حدث ان وقع الاله « پان » في غرام احدى بنات الغاب الفاتنات ، فسرقته له فلم يعد يقوى على فراقها فكان يتبعها اينما توجهت لكنها كانت تهرب منه فزعاً من منظره البشع لان ساقيه كانتا على شكل ارجل الماعز ، واذنيه مستطيلتان ومحددتان اما
جسده فجسد انسان. رآها مرة تنزه على ضفة النهر فتبعها فذعرت لما رأته وصرخت مستغيثة بالهة الماء فحولتها آلهة الماء الى قصبة طويلة وعندما وصل الاله « پان » الى مكان محبوبته لم يجدها وانما رأى مكانها قصبة جوفاء ، فزفر زفرة حادة هزّت القصبة وخرج منها لحن حزين ، لحن العشاق المحرومين . فقطع القصبة وحملها معه اينما ذهب يعزف عليها اشجى الالحان لمحبوبته .
نبغ في الموسيقى عند الاغريق « پندار » Pindar الملقب بملك الالحان في القرن الخامس قبل الميلاد ومن اشهر
المسرحيات التي كتبها « اسخيل » Eschyle والتي تضاهي بروعتها السوناتا والسنفو في عصرنا الحاضر . ومن اهم الآلات التي استخدموها « اللير » ، « والقيثارة » ، « والالوي » ومن الثابت لدينا ان الاغريقي كان اشد ميلاً الى الموسيقى الآلية منه الى الموسيقى الغنائية ، وكان العزف المنفرد ينال اعجابه وتقديره ويثير مشاعره اكثر من اي نوع آخر من الموسيقى .
وقد استتبع ازدهار الفن المسرحي اليوناني ازدهار مماثل في الموسيقى اذ ان جميع التمثيليات ، من مأساة ودراما ، كانت تمثل بمصاحبة الموسيقى الفردية او الغناء من جوقة مخصصة لهذا الغرض كانت عاملاً فعالاً في اخراج ونجاح التمثيليات .
