أدخلت على الموسيقى عدة امور جعلت منها فناً رفيعاً وأطلق عليها لقب العلم النبيل . شمل التقدم والتطور في هذه الفترة الموسيقى في جميع نواحيها . فتحسنت الآلات المعروفة واستحدثت اخرى ، انتظمت الكتابة الموسيقية والتنويط حسب اصول ثابتة ، كما ان التأليف الموسيقي اتجه اتجاهاً جديداً فتخلص من التأليف الفردي البسيط واتبع التأليف البوليفوني المعقد . تبع هذا التطور في طريقة التأليف ظهور اشكال موسيقية جديدة منها « الموتيت » Motet ، المدرجال Madrigal ، والأغنية الشعبية . ثم سار الازدهار الذي بلغته الموسيقى في اتجاهين مضادين : الاتجاه الاول ، اتجاه كنسي يتميز بقيود وضعتها الكنيسة حتى يحافظ على قداسة الألحان الدينية فلا تفسدها عناصر جديدة ، والاتجاه الآخر شعبي حمل لواءه الميناسنجرز في ألمانيا والتروبا دورز في فرنسا . وقد برز في عصر النهضة ثلاثة اعلام هم : لاسوس ، مارتن لوثر المصلح وبلسترينا .
الموسيقى الكنسية
اول ما ازدهرت الموسيقى الدينية الحديثة في الأديرة والمعابد المسيحية في سوريا ومصر وبلاد الكلدان . وقد استخدمت الموسيقى العبرانية القديمة في بادئ الامر لهذا الغرض مع اضافة التعديلات والتحسينات التي ادخلها اليونان عليها . وقد كانت الألحان الكنسية الاولى شبيهة « بمزامير داود » لكنها لم تلبث ان تطورت بسرعة اسلوباً وقالباً على ايدي الموسيقيين الغربيين عند انتقالها الى اوروبا عن طريق الامبراطورية الرومانية ويعود الفضل الاكبر في نشر هذه الالحان وتعميمها في بلاد الغال ( فرنسا ) واسبانيا وايطاليا الى الكنيسة الكاثوليكية .
ونظراً لاهمية الألحان الدينية في العبادة ، رأى الباباوات المتعاقبون ان الحاجة تدعو الى المحافظة على سلامة هذا التراث المقدس ، وافضل طريقة لتحقيق هذا الهدف هي اخضاع جميع هذه الألحان لأسلوب واحد . وقد نسقت الألحان في ثمان
مقامات ، ثم أمر البابا غريغوريوس الكبير في القرن السادس جميع الكنائس باستعمال هذه الألحان الموحدة حسب المقامات الثمانية . وقد عُرفت هذه المقامات فيما بعد بالمقامات الغريغورية . اما تأثير هذا التقييد فكان مضراً بالموسيقى إذ حظر التصرف بالألحان مما أفقدها الكثير من مزاياها المهمة كالروعة والطلاقة ووقف في سبيل تقدمها وتطورها .
الموسيقى الشعبية :
سارت الحركة الشعبية جنباً إلى جنب مع الموسيقى الدينية وقد حمل لواءها التروبادورز في فرنسا، والميناسنجرز في ألمانيا . وقد كانت هذه الحركة حركة تحرر وانطلاق بالنسبة للموسيقى اذ انها لم تخضع للقيود نفسها التي حتمتها المقامات الغريغورية على الموسيقى الدينية . والتروبادورز هم فريق من الفرسان الشعراء الذين ينشدون الازجال ويقضون معظم أوقاتهم متنقلين في الريف بين قصور النبلاء حيث كانوا يجدون العون المادي والتشجيع المعنوي . والميناسنجرز هم فئة من النبلاء الالمان تعشقوا الموسيقى والغناء ، والكلمة بالالمانية تعني « منشدي اشعار الحب » . كان الميناسنجرز يقومون برحلات متواصلة في


