

النعمة وحدها تخلص الانسان ..
واذ يلمّ المؤلف عناصر هذه العاصفة المبعثرة ويحصرها في يوم واحد ومكان واحد وفصل واحد فهو إنما يفعل ذلك عن تصميم ليترك للمسرح قطعة كلاسيكية بالمعنى الاغريقي الخالص وذلك اعتقاداً منه بان ما يحدث في النفس من الفيضان الروحي الداخلي لافضل واعنف بما تحدثه كثرة المشاهد المتنوعة، متحديا بذلك الاتجاهات المسرحية الحديثة التي تفضل السهولة والتسلية على البساطة الكلاسيكية الرصينة ..
وما الجدال الذي يجري بين رئيس اساقفة باريس وراهبات « پور رويال ، سوى عصارة ذلك الصراع الذي دام سبعين سنة بين « الجانسنيست » من جهة واليسوعيين والدولة من جهة أخرى ؛ لا بل هو عصارة النزاع ما بين المثالية المطلقة الجافة ونزعة المرونة العملية ؛ او بالاحرى فلنقل انه خلاصة النزاع القديم القائم بين الفرد الذي يجرؤ ان يقول « لا » وبين السلطة التي تقول له « أسكت وأطع » ..
ويوضح المؤلف موقفه في مقدمة لمسرحيته حيث يقول انه حاول ان يتخذ وجهة نظر السلطة مرة ووجهة نظر الجانسنيست مرة أخرى ؛ اذ لكل فئة رأيها كما ان لكل منهما دوراً تلعبه ضمن المسيحية الواسعة التي تضم بين احشائها أحياناً خصمين عنيفين متحابين . وانه يرى ان للمسيحية دموعها وآلامها - دموع راهبات « پور رويال » المضطهدات لغير ذنب مبرر ودموع
رئيس الاساقفة الذي يفرض الطاعة فلا يجدها ويرى في ذلك العصيان خروجاً على وحدة الحقيقة التي يمثلها .. فالمسيحية اذا تحيا بآلامها التي تتحملها وبآلامها التي تفرضها ...
واذ تأبى الراهبات الخضوع للسلطة الدينية يفرض عليهن رئيس الاساقفة قصاصاً وذلك بفصل اثني عشرة راهبة عن دير « پور رويال » ومحرمانهن من سر القربان المقدس ، ويوجه حديثه الى الام الرئيسة :
- يؤسفني ايتها الأم ان اسبب لك آلاماً .
فتجيبه الام بلهجة الجانسينية المؤمنة
- الحق اقول لك اني لم اعد أشعر بالآلام، واذا ما شعرت بها فاني لا أميز الاشخاص الذين يكونون أداة لها ..
ويحاول رئيس الاساقفة بجميع وسائل الاقناع ان يرجعهن عن العصيان فيقول :
- اننا لم نطلب منكن أمراً مستحيلاً بل كل ما نريده هو الطاعة - كالغير .. الطاعة كالغير فقط ..
- لسنا كالغير .. وهذه هي جريمتنا .. وهذا هو الاتهام الموجه ضدنا ..
- الطاعة .. هذا كل ما نطلبه .. شعار كن : الحرية، العفة ، الحقيقة ؟. وانا أقول لكن : لا حرية ولا عفة ولا حقيقة خارج السلطة التي امثلها .. الحقيقة واحدة واذا ما تعددت فلها اسم وهذا الاسم يطلق عليكن الآن ..
- لا يمكننا ان نمضي ضد ضميرنا ..
وينتهي هذا الجدال بابعاد الاثني عشرة راهبة عن « پور رويال » بعد ان تركع كل منهن امام رئيس الاساقفة طلباً للبركة وبعد ان يطلب هو من كل منهن ان تذكره في صلاتها ساعة آلامها في سجنها ..
موضوع المسرحية لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه الى ما هو أشد أهمية وابعد اثراً . اذ يهيب بنا المؤلف ان ننظر الى ما وراء الحوادث التاريخية المعروفة لنطلع على الانفعالات العميقة التي تحدث في النفوس المتألمة الخائفة .. ويصوب بجهر عقله الثاقب واطلاعه الواسع ليكشف لنا عن اسرار نفسين ينتخبهما من بين جدران الدير المضطهد ، فتتجلى كل منهما في سيرها نحو النعمة المباركة او الشك المظلم ..
الأولى هي الأخت « انجليك دي سان جان » وقد اتفق المؤرخون جميعاً على انها من ادهش الشخصيات التي عرفها