



حين تفرغ جعبتك من الابتسامات
ماذا تفعلين يا صديقتي ؟

وكان جوابها ابتسامة اخرى لا غير
... ومن خلال عيني الهولندية الشقراء
تمكنت من قراءة حكاية بكاملها ..
تبدأ الحكاية في مطار بيروت ، وحين
تدوي محركات الطائرة لتنقل الناس من
الارض الى متن الاثير لتحطمهم على
الارض من جديد ... ويتطلع الجميع
بشغف ليروا ما بداخل الطائرة فلا
يطالعهم سوى النوافذ الضيقة والابتسامة
المشرقة التي تبقى من ساعة الاقلاع حتى
نهاية الرحلة بنفس العيار والقياس . وتبقى
كذلك مهما تبدلت الوجوه وكثرت
الطلبات . وبت انا ارقب شيئاً واحداً
طوال ساعات من الرحلة : ان تموت
الابتسامة لحظة لا غير ... وكادت الرغبة
هذه تدفعني لمضايقة صاحبة الابتسامة لو لم
تبدأ مضايقات الضغط الجوي فراحت الآلة
الجهنمية ترتعش بين جيوب الهواء
كالعصفور الذبيح ... وتجاهلت الخطر
لاحظى بامنيتي ، وكنت افكر بان
الابتسامة تقلصت ولا شك ، غير انها
اطلت من البعيد ومعها ابتسامات تمسح
بها المضيفة الحلوة الرعب عن الوجوه
وتهدىء اضطراب القلوب .. كأن معها
من هذه البضاعة مقداراً كافياً ليقلب الجو
ويحل الابتسام مكان الانقباض، وليحل
ازمتي فأكف عن مضايقتها وارفع لها
راية الغلبة .
ان مضيفة الطيران لم تجترح معجزة
ولم تكتشف شيئاً جديداً ، غير انها
رفعت الغطاء عن موهبة نملكها كلنا
ألا وهي المقدرة على الابتسام مهما
اشتدت الآلام وتأزّمت المواقف ،
وليس ذلك فحسب ، بل كان لها الفضل
في بسط جو الاشراق والمرح في ساعة
من اضيق الساعات ، بينما الكثيرون
من نصادفهم كل يوم يسعون جهدهم
لتحويل الاجواء المرحة الى كهوف
مظلمة يغرسون فيها بدل كل ابتسامة
الف تكشيرة وزمة شفة ...
