ورغبت في زيارتنا والتحدث عما جاءت من اجله، وعن الانطباعات الحلوة التي تركتها زيارة لبنان في نفسها.
حاضرت الانسة ابوحمد في المؤتمر عن تأثير الهجرة في فنزويلا، اجتماعياً، من الناحيتين الداخلية والخارجية وحللت اسبابها واعطت بعض الحلول للحد من تدفقها والمحت الى ان اسباب الهجرة في فنزويلا هي نفسها في لبنان.
حملت الانسة ابوحمد رسالة خاصة من رئيس جامعة كاراكاس الى رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية في الجامعة الاميركية، وقد صرحت على زيارة المراكز العلمية والاثريّة في لبنان قبل عودتها مع امها الى فنزويلا.
وقد تملكتها الدهشة من جمال لبنان الطبيعي، وبالنهضة العمرانية القائمة على قدم وساق ...
واحرجتها في سؤال خاص فاجابت بصراحة: اينما وجدت امير احلامي احط الرحال، لا فرق عندي ان اعيش في فنزويلا او في لبنان ...
- ولكن، قلت لها مودعة، اذا وجدت اميرك هنا فلا بد من تعلمك العربية! ... فضحكت ملء فم لؤلؤي الاسنان !
اما انا فشعرت بالاسي يغمر قلبي لانني رأيت من خلال هذه اللبنانية الفطنة مأساة الهجرة مجسمة ... وعلمت، وباللاسف، انه بمرور سنين معدودة ينقطع هذا الجسر الذي يصل عالما هنا بعالم مهاجرينا عبر البحار، ويُمسي لبنان بالنسبة للجيل الجديد، حكاية عتيقة يهددون بها صغارهم ... ليناموا !
ماتت المعلمة الصالحة !
الآنسة اميليا يوسف بدر
وجه نسوي من الرعيل الاول المبارك، عانق الراحة الابدية السابع من ايلول الماضي عن اربعة وثمانين عاماً قضتها في الجهاد المخلص الصامت.
بموت اميليا بدر، خسر لبنان والعالم العربي احدى رائداته الامينات، نموذجاً فذاً «للمعلمة» الصالحة. حملت مشعل العلم من لبنان الى القطر الشقيق مصر، وفي كلية البنات الاميركية بالقاهرة تجندت لتنشئة بنات جنسها على اسس الفضيلة والخير، وتوصلت بفضل اندفاعها وتفانيها في العمل الى مركز مستشارة المديرة ورئيسة القسم العربي في المعهد ...
لم يكن التعليم لها مهنة تدرّ عليها مالاً، وانما كان فناً يمارس وهواية تعشق، بذلت اميليا نفسها في سبيلها مدة ٥٧ سنة. كانت صلة الوصل بين الادارة والاهالي وكسبت ثقة الجميع. رعت بمحبة فائقة ثلاثة اجيال من فتيات مصر، كانت لهن ارأف من ام واقرب من صديقة وخير مثل على حسن الانضباط والاستقامة والجد.
داهمتها الثمانون وهي في الساح، ماضية في اداء رسالتها تتحدى الاعوام بايمان وعزم لا يعرفان كلالاً، ولولا الحاح المسؤولين والاصدقاء لما رضيت المجاهدة الجبارة بان ترمي سلاحها وتنفض عنها غبار المعركة. واخيراً ودعت وادي النيل وآبت الى وطنها لبنان تقضي سنيها الاخيرة في التأمل، بكنف ابن اخيها الاستاذ فؤاد بدر صاحب «دار الكتاب»، وشيعت من داره بظهور الشوير في مأتم بسيط وجليل وووريت تحت اكاليل الزهر بالدموع الصادقة من مئات تلميذاتها الحاضرات والغائبات، ونعتها الصحف المصرية كما تنعي الشخصيات الكبار، لان اميليا بدر، وان ظلت في بلادها «جندية مجهولة»، الا انها كانت عن حق انسانة متواضعة معطاءة. عاشت كبيرة وماتت كبيرة.