موزرت (١٧٥٦-١٧٩١) اعظم عبقري على مر الاجيال لانه ابدع في جميع المجالات. مع ان باخ، هايدن، جلك، وبيتهوفن ابدعوا في نواحي كثيرة الا ان واحداً منهم لم يُبدع ابداع موزرت لانه تفوق في كل ناحية طرقها رغم انه لم يعش اكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
في الرابعة من عمره بدأ التأليف، وما يحكى عنه ان والده وجده مُكباً على طاولته وهو يدوّن شيئاً، فأراد ان يعرف ماذا يفعل فاقترب منه على مهل دون ان يشعره بوجوده لكن موزرت احس بوجود والده فنظر اليه نظرة شزراء وخاطبه مهدداً: لا تزعجني، اني أضع كونشرتو للبيانو!. فما كان من والده الا ان تركه وشأنه ثم عاد ليجد لدهشته ان ما قاله موزرت كان صحيحاً.
سنة ١٧٦٥ قام والد موزرت بصحبته وأخته بجولة في انحاء اوروبا لاحياء بعض الحفلات، حتى يتمكن موزرت بريعها من متابعة دروسه. وكان اول كونسرت قدمه في لندن ابدع فيه ولاقى نجاحاً كبيراً لان الجمهور اللندني كان قد ملّ الاسماء الكبيرة الرنانة فشاقه ان يستمع الى موسيقى يؤديها صبي لم يبلغ العاشرة! بعد عودته من هذه الجولة كرس جُلّ وقته لمتابعة دروسه. بعد زمن قصير قام برحلة اخرى الى باريس شاهد اثناءها اوبرات جلك اعجبته ايما اعجاب.
في سنة ١٧٨١ اتخذ فينا مركزاً دائماً له وقد ألف في هذه الفترة الاوبرا الخالدة زواج فيغارو (١). اما حبكة القصة التي يدور عليها حوار الاوبرا فهي ضعف شخصية كونت من الكونتات قضى معظم حياته في معاكسة وملاحقة الفتيات الصغيرات، خصوصاً سوزانا وصيفة زوجته، ثم تتعقد حوادث القصة مع تطور الموسيقى لدرجة انه يختلط الامر على المستمع حتى انه لا يستطيع معها التمييز بين الشخصيات، ويزداد ارتباك المتفرج عندما تنتهي الاوبرا بمشهد يظهر فيه معظم الشخصيات يتمشون في الحديقة وكل واحد منهم يتهم الآخر باسوأ النوايا.
(١) نشرت هذه الاوبرا في العدد السابق من المجلة.
كانت شهرة موزرت قد ذاعت فوصلت براغ التي دعته لزيارته فلبى الدعوة حيث استقبل استقبالاً حافلاً. وقد ألف اوبرا دون جيوفاني (١٧٨٧) (١) واهداها الى اهل براغ ليبدي امتنانه على حسن استقبالهم اياه.
اكتنفت حياة موزرت مصاعب جمة نغصت عليه عيشه لم تدعه يهنأ بعيش رضي. فقد كان دائماً بحاجة الى المال يسعى ليلاً ونهاراً لتأمينه ليسد نفقات معيشته وكان عليه ايضاً ان يدفع شر الموسيقيين الآخرين الذين يكرهونه حسداً من الشهرة التي نالها والعبقرية المتوقدة التي كان يتمتع بها. وزاد الطين بلة هجوم النقاد الذين كانوا يعملون كل جهدهم لتحطيم شهرته والحط من قيمة مؤلفاته مما كان ينغص عيشه ويجعله شديد الحذر كثير الشكوك حتى بات يعتقد ان جميع الناس ضده. وقد لازمه هذا الشعور حتى وهو على فراش الموت اذ اعتقد ان السم قد دُسّ في طعامه.
بعد زيارته لبراغ اعتلت صحته فانهى في هذا الوقت مقطوعته الفلوت السحري Magic Flute ثم انكب يعمل على الركويوم Requiem او قداس الموتى، وهو آخر ما ألف. وكان لا يلبث يردد امام اصدقائه انه إنما يضع هذا الركويوم لنفسه. وهكذا كان. وقد توفي موزرت سنة ١٧٩١ ولم يحضر جنازته إلا
(١) ايضاً نشرت سابقاً


