سوق عكاظ
ولا نعدو الحقيقة حين نقول إن الملك فيصل سبق عصره في فهم قضية المرأة وعكست مواقفه المتتابعة أبلغ الدلالة على صدق الفراسة وبعد النظر ، وسلامة الحكم .
وعما تعيه الذاكرة ، تلك الأزمة التي نشأت عام ١٩٢٣ يسبب ما أثاره المرحوم السيد عبدالرحمن النقيب حول مشاركتي في سوق عكاظ الأدبي ، واستنكاره مشاركة صبية لتمثيل دور الخنساء ، وتطورت تلك المعارضة حتى رفعت الى الملك فيصل ليقول كلمة الفصل في الموضوع ، فأعلن وقوفه بجانب مشاركتي في السوق المذكورة على النحو الذي رويته في فصل سابق .
وهذا القرار الذي انتهى الملك فيصل إليه انطوى على مغزى اجتماعي عظيم الأهمية ، هو في جملته أول طالعة لاحترام القوى التي تمثلها المرأة العراقية ، وكان ينصرها ويقف الى جانب تطورها برفق وهوادة ، ويعالجها بأناة وحكمة ، ويرسم لها السبل بأمن وسلام .
وأول ما يرقى إليه البصر في خصال ( فيصل ) الناصر للمرأة ، السليقة الصافية في تشجيع العلم ، وحث الفتاة العراقية على العب من مناهله ، حتى إنه خصص في إحدى زياراته للمدرسة المركزية للبنات ( قلم حبر ) الى الطالبة المتفوقة في الخط العربي .
وفي مرة أخرى أعلن تبرعه بهدية للفتاة التي تظفر بالأولية بين زميلاتها ! وأذكر أن جميع هذه الهدايا كانت من نصيبي . بل إن من مظاهر التشجيع الذي كان يديه برغم انصرافه الى الأعباء التي تلقيها عليه واجبات الملكية ، وقيادة النهضة ، وحمل الرسالة ، حادث لا ينقضي الإعجاب به مهما طال الزمن ، وبعد العهد . ومؤداه أن جلالته لما علم بتفوقي على المتخرجات من دار المعلمات الابتدائية عام ١٩٢٨ شاء أن يضرب المثل الطيب على حدبه وعطفه وتشجيعه ، فأهداني ( بروشاً ) من الألماس . ودعا والدتي الى مقابلته لتهنئتها بالنتائج التي حصلت عليها ، ورجاها أن تسمح لي بالسفر الى الولايات المتحدة لاكمال دراستي .

