المعايشة ، حتى في الملبس والمطعم - بلون عربي ، لاغبار اجنب عليه .
وان حظ اللغة - بل حظ القومية - من ديانة محمد لم يقف عند هذا القدر الوافر ، بل تجاوزه الى قدر اوفر ، فاذا لسان قومنا يصل بين الحياة الدنيا ، والاخرى ، واذا هو لغة السعادة ، في ضجة النعيم ف « العربية لغة اهل الجنة » .
ذلك ، والجنة الموعودة ، نفسها ، لم تبسط في « الكتاب » ، ولا في ( الحديث ) الا على هوى العرب ، وتنظر خواطرهم وتلهف اكبادهم ، ففيها الشجر ، والانهار ، والقطوف والدواني ، والارائك الخضر ، لاشمس ولا زمهرير ، بل صحو دائم ، ونعيم ، وملك كبير ... والى آخر ذلك اللوح الرضواني الممتع .
فجعل محمد الدنيا لقومية العرب ، وجعل الاخرى للغتهم . ثم خاف ان ينشطر ، من وراء الرسالة ، الى فريق مؤمن بها وفريق مؤمن بغيرها ، فجمع بـ « من احب العرب فقد احبني » حيث المخافة من الفرقة ولم حيث المخافة من الشتات ! كأنما الشرط عنده ، الحب للعرب ، والحدب عليهم ، والاخذ بنصرتهم ، لا الدخول في دينهم ! فاعجب لرسول ، همه في الارض امر الله وجر الخلائق اليه ، من كل جنس ، كيف يعني هذا العناء ، من اجل قوميته ، ويبث هذا البث !
وها ان اقوامنا العرب ، في الآفاق ، كلما اطلق المؤذن صوته ، بين السماء والارض ، عند تحرك الصبح ، في العتمة او تنقل الشمس ، بين مبزغها ومغربانها ، احسوا في تلك الصيحة ، بأن « شيئاً » من قوميتهم يحلق في الجواء ، ويمعن في المسير ، من فج الى فج ... واستشعروا كبرياء العصبية لديانة من عندهم تدق بشائرها بلغتهم ، ويكبرها صاحبهم ، ويدخل فيها من باب تاريخهم !
روى لي واحد ، من الذين صرفوا
طويلاً في « باريس » - وهو مسيحي من عندنا ، من ( الجبل ) ، درس الطب هنالك وتملأ من لغة الجماعة ، ومن تاريخهم ، وطرائق الأخذ والعطاء ، عندهم ، في كل دقيقة من دقائق المخالطة ، اكثر بكثير مما يعرف من اشيائنا - قال ، انه في ما هو يسير مرة ، في شارع ( كاتر فارج ) على مقربة من « جامع باريس » ، بعيد الخاطر عن هذه الارض اللبنانية ، اذا تكبيرة تنطلق من المآذنة ، وتتعالى على الجلبة الباريسية . فأخذ صاحبنا ببغتة حلوة ، ملأت فؤاده . قال : « وما تمالكت ان حولت طريقي ، وغشيت باحة المسجد ، حيث قضيت بعض الساعة ، بين هاتيك القباب والقناطر ، وكأني في سري ، في لبنان انظر الى مناظرهم ، واصغي الى احاديثهم ، وبيني وبينهم سماوات ومفازات » .
هكذا جمع محمد ، اليه ، بفضل العربية في رسالته ، والعروبة في نعرته ، هذه القلوب العربية من كل ديانة ، حتى ليلقى صديقنا ذاك ، تحت مآذنة الجامع في دار الغربة - وهو ابن المسيحية ، كما رأيت - ما لا يجده تحت قبة المسيحية !! ذلك حيث ان اللغة فوق الدين ، والعصبية القومية فوق العصبية الطائفية ، في باب الميول ، وترك الطبع على عنانه !
فمحمد اذن ، للعرب قاطبة ، في لغة « الكتاب » و « الحديث » ونعرة الجنس وشدة الحفيظة عن كرائم النعنعات ، وفي تاريخ لفتح الممالك ، وفتح العقول ملالاً كرأد الضحى ، واخلاق عليها سلام الله ! اما المسلمون ، فليس لهم من زيادة علينا ، حيث الانتفاع به والاخذ عنه ، والتباهي بذكره ، الا الاسلام . وهي زيادة ، ترى المسيحيين من العرب - اردت الاقحاح منهم في النسب ، والادب - يتلافون فقدانها في « محمديتهم » ، فهم يستزيدون اكبادهم من هوى محمد ، ويستزيدون ، السنتهم ،
واقلامهم ، من النصرة لشأنه ، حتى ليكاد يتعادل النصيبان !
لذلك تتأوج ارض العرب ، اليوم ، بمجد واحد العرب ، وحبه وتتجاوب الاصداء فيه ، على رمل البيد ، ونبت الجبال ، وعلى كل شاطيء وخليج ، من مطلع الشمس ، في الزرقة المشرقية ، الى محطتها في الضحى ، عند حدود الصحو ... حب « لابن عبد الله » ، سواء فيه ابيض واسود ومقيم وراحل ، ومسلم ونصراني ، واعتزاز « بابن عبد الله » ، وهزء اعطاف على الامم ، باسمه !
فاحمد ، بيناً بديني ، دين « ابن مريم » ويخشبات صليبه ، اننا في هذا الحي من العرب ، نتطلع اليك من شبابيك البيعة ، فعقولنا في « الانجيل » وعيوننا في « القرآن » ....

