
صديقاً او رفيقاً . وذلك المعبد الذي جملت جدرانه بالصور والكتب وكانت تستقبل فيه اعظم القوم اقفل القدر ابوابه وغطى العنكبوت رحابه فقضت ايامها الاخيرة في المستشفى وخرجت منه الى القبر ولم يشيعها احد .
اين قلمك يا مي ليجول جولته المعتادة في موضوع لم تطرقيه وهو عقوق الانسان وكفرانه . لقد تغنيت بالمجد والشهرة والحب والصداقة فاين روحك لترى اليوم بطلان كل شيء حتى المجد والشهرة وحتى الحب والصداقة .
لقد رويت عصرك خمرا واشبعته سحرا فلينعم بها ما شاء . انك لن تكوني اكثر حظاً من سواك من الابطال بين ايدي الفناء .
كان ذلك بالنسبة لي ، شيئاً عزيزاً على قلبي ، وكاد ان يصبح حاجة ملحة ، فقد كانت مي في ذلك الحين حديث الاوساط جميعها ، وبالاخص الوسط الذي كنت اعيش فيه ..
مي مصابة . لا مي مظلومة ، هكذا كان الناس يقولون .. وصار عندي شوق لان ارى هذه المصابة المظلومة . ورأيتها في الفريكة ، في بيت الريحاني ...
لم تفتني في ذلك اليوم دقيقة واحدة ، تطلعت اليها كثيراً ، حدقت في كل ملامح وجهها ، فلم ار شيئاً غير اعتيادي ، بلى كانت هناك مسحة عميقة من الالم تغمر قسمات وجهها ، لا بل تغمر كل كيانها حتى ثيابها .
وكانت قليلة الكلام ، فلا اذكر انها خاضت بنفسها حديثاً رغم محاولة الريحاني
في ذلك الحين ، اخراجها عن صمتها .
وحينما كانت تجيب على بعض الاسئلة كانت تلمع في وجهها ابتسامة ما تلبث ان تختفي ، وتجيب بكثير من الرصانة والرزانة .
لم ارها بعد ذلك ، غير ان ملامح ذلك الوجه المعذب ما تزال في عيني .
اذكر اول مقابلة جرت لي معها برفقة صديقتي الادبية سلمى صايغ وقد انتدبتنا احدى الجمعيات النسائية للترحيب بها - اشترطنا على ذواتنا الا تتعدى الزيارة الربع ساعة لانها زيارة بروتوكولية اكثر منها حبية .
وكانت المقابلة وتدفقت مي بحديثها الطلي واشبعت ادمغتنا ونفوسنا من معانيها الحلابة وابحاثها القيمة ، فلم نشعر الا وقد مرت الساعتان كالبرق الخاطف دون ان يدفعنا البروتوكول الى ترك القاعة وحرمان ذواتنا من الطف جلسة لالطف سيدة . وتلته اجتماعات ووقفات على المنابر هزت بها افئدة الناس اجمعين فاعترفوا لها انها سيدة القلم على الاطلاق .
وكانت تلك البلبلة الاخيرة التي وضعت اديبتنا الكبيرة في كفتي ميزان بين شاك منها وباك عليها ، وكنت انا في بعدي السحيق بين الباكين على فكر يتزعزع ونفس تنسحق ، وقوى تتهدم تحت وطأة ما لا اعلم ولا يعلم سوى الله .
ثم وقفت وقفتها الاخيرة على منبر الجامعة بين جمع يشدون قلوبهم بايديهم وجوماً مما قد يسمعون من ارتباك في المعاني والالفاظ ، فاذا بها نلقي على الناس آيات سحرية خلابة من البيان والبلاغة ما لا يمكن ان يأتيه سوى فكر وعى العلوم على اوسعها والثقافة على اشدها .
حدثني احدهم ممن حضروا تلك المحاضرة
القيمة قال : عندما ظهرت مي على المنبر شعرت بنفرة من شكلها ومظهرها ، ولكنها لم تكد تتكلم حتى خلتني اشاهد اجمل وجه واسمع اعذب صوت ، واشعر بوطأة سحر عجيب يقيد حواسي ، فاعترفت مع المعترفين ان مي هي رسول الوحي والالهام وسيدة المنابر والبيان تملك على السامعين مشاعرهم وتسيطر عليهم ببلاغتها وسحر تعابيرها .
هذه هي مي التي تجدد اليوم مجلة - صوت المرأة - ذكراها ناشرة من الاحاديث عنها ولها ما يعود بنا الى حياتها التي تركت معها من منتوجات فكرها الثاقب وعلمها الواسع اعظم تراث للادب العربي هو ذخيرة الاجيال المقبلة ، لانها منحت بمفردها ما لم تمنحه كل نساء العرب مجموعة ، فقلدت نفسها بنفسها اعظم وسام من مجد وتقدير وتخليد طالما ملأ افئدتنا وهز كياننا .
حملت اليها ، باقة من الورود ، والبنفسج ، كان ذلك في الثامن عشر من شهر فبراير ( شباط ) في عز الشتاء ، بعد خروجها من المستشفى .
لم تكن « مي » في رأسي في تلك الساعة ، امرأة معذبة ، وانما كانت امرأة من بلادي ، رفعت رأس بلادي .
« هذه باقة من الوان بلادك يا مي ، تحمل اليك شعور شبابه . »
ابتسمت المرأة الممددة على سريرها ، وشدّت على يدي .
وقالت بنبرة عميقة : شكراً . لم تعرف مي من انا ، وحينما خرجت من الغرفة كان في رأسي ، امرأة شاحبة تتمدد في فراش احمر .
وما تزال « مي » في رأسي هكذا الى هذه الساعة .