
طوى الموت بالامس ، وجهاً نبيلاً من بلادي - السيدة ظريفة كرم مالك - اغمضت عينيها على بسمة رضى ، اولادها حولها مجتمعون ، تلمسهم - قريرة - واحداً واحداً ، على شفاههم ابتهالات ، وفي محاجرهم دموع : شارل ، جبرائيل ، ميليا ، رمزي وبهيج - ليندا وحدها بعيدة في اوستراليا - يا فرط عزائها بهم جميعاً !
ماتت في بيروت فجر الجمعة في ٢٠ ك٢ ، وشهدت مسقط رأسها عصر اليوم الثاني مأتمها المهيب ، وكأن لبنان ، بهيئاته الرسمية والمدنية ، واكب النعش الى بطرام ( الكورة ) ، ليودّع الراحلة العزيزة ، محمولة على اكتاف انجالها - كاروع صورة للبنوة البارة الصالحة .
جبارة بين النساء ، فقيدتنا . جبارة فيما تركت لوطنها وللعالم من ذرية متفوقة في حقول العلم واللاهوت . كفاها فخراً كبيرهم الدكتور شارل مالك ، الذي رجّعت الدنيا اسمه ، ومن
خلال صوته كبر في عينها لبنان .
ليست ككل النساء ظريفة كرم مالك ، لقد فاق عطاؤها للانسانية عطاء سواها ، فحق لها ان تُرمَق بالاجلال ، وان تُتَلى على اسمها الرحمات .
ان جميع المؤهلات لاجتذاب السائح تعلن عن لبنان : في جبله وسهله ، خضرته ومائه ؟
وان المجاري المائية ، او الانهار ، ذات شخصية كالطقس ، لها رواياتها وقصصها ؟
ان نسبة اراضي الري والزراعة هي ٣٠ مرة اقل من الاراضي البائرة ؟
وان نهر الليطاني ، اكبر انهار لبنان ، يجري بمعدل ١٠ سنين كفاية و٥ سنين نقص ؟
وانه لو حصرت مياهه الفائضة كيلا تذهب هدراً ....
وانه لو تحقق « مشروع الليطاني » يمكن لخيرات مياهه ان تدر بدل ١٥٠٠٠ ل. ل. ١٥،٠٠٠،٠٠٠ ل. ل. ؟
وان باستخدام مياه الليطاني تخصص بعد ذلك مياه الباروك لمناطق جبل عاليه ؟
ان الاوحال الزاحلة كالتي طمت على طرابلس ، لو امكن تحويلها الى السهول ، لكانت من الجودة والخصب بالشيء الكثير ؟
اعطى اسبوع التسلح الذي شمل جميع المناطق السورية ، الدليل القاطع على وطنية السوريين وفائق وعيهم ، وسجلت المرأة فخراً كبيراً شهد لها الجميع به ، لاسيما الاتحاد النسائي السوري وما بذله من نشاط واسع لتعميم فكرة « اسبوع التسلح » في الاوساط السورية كافة - وقد كان لاندفاعهن اقوى الاثر في تثبيت كيانهن وفي تصحيح الخطأ الراسخ في عقول الرجال من ان المرأة ما تزال متخلفة عن الركب وغير ناضجة قومياً ووطنياً .
نهىء اختنا المرأة السورية على هذا الاندفاع الوطني المشكور .
لم يجيء الدستور المصري الجديد الذي اعلنه الرئيس جمال عبد الناصر خلال الشهر الفائت ، مخيباً لآمال الشقيقة المرأة المصرية ، وانما منحها الحق بأن تنتخب ، لا ان تنتخب ، واشتراكها في الانتخاب اختياري ، لا اجباري ، كما هو الحال مع الرجل -
نهىء المرأة المصرية الشقيقة على فوزها اخيراً بحقوقها السياسية ، ولو فوزاً غير كامل ، والعقبى للمرأة العراقية ...